فصل: مسألة ومعنى ذلك إنما كان التيبس غالبا على أهل البلد لأنه إذا لم يكن غالبَا على أهل البلد لم يلزمه إلا أن يشترط عليه إذ هو يلزمه ما هو يفتقر إلى عمله بإمكان القسمة قبله والمراعي في ذلك بالعرف في البلد إن لم يكن في المساقاة عرف وإما لأنه عرف فإياه يعتبر وإن خالف ذلك عرف البلد:.

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة المساقاة على انكسار صلة الزرنوق وحرف القف:

وسئل عن المساقاة على انكسار صلة الزرنوق وحرف القف يكون في ذلك غرم الدينار والدريهمات على من ترى ذلك؟ قال: أرى ذلك كله على رب الحائط.
قال محمد بن رشد: الزرنوق الخطارة والقف المعجمة التي يقع فيها الماء، وقال أبو صالح: حرف القف الجلد الذي في القفة الذي يسقي بها الماء والأول أظهر، وذلك كله من اليسير الذي يجوز لرب الحائط أن يشترطه على المساقاة وبالله التوفيق.

.مسألة يشترط رب الحائط على الداخل الخرص:

ولا بأس بأن يشترط رب الحائط على الداخل الخرص لأنه جزء معلوم، ولا يجوز أن يشترط ذلك الداخل على رب الحائط {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} [آل عمران: 137].
قال محمد بن رشد: الحكم في زكاة تمر المساقاة أن يخرج من جملتها إذا بلغت ما يجب فيه الزكاة أو كان لرب الحائط مال سواه إذا أضافه إِليها بلغت ما يجب فيه الزكاة ثم يقتسمان الباقي بينهما بعد إخراج الزكاة على ما اتفقا عليه من الأجزاء في المساقاة، فإن اشترط أحدهما على صاحبه أن يكون جميع الزكاة في حظه جاز ذلك على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة، اشترط رب الحائط على العامل أو العامل على رب الحائط؛ لأن ذلك يرجع إلى جزء مسمى فلا غرر فيه من أجل أنه إِن اشترط ذلك رب الحائط على العامل وقد كان ساقاه على النصف كان إنما ساقاه على أن يكون للعامل أربعة أجزاء من عشرة ولرب الحائط ستة أجزاء من عشرة يُخْرَجُ من ذلك الجزءُ الواحدُ في الزكاة تبقى وكذلك إن اشترطه ذلك العامل على رب المال كان إنما ساقاه على أن يكون لرب الحائط أربعة أجزاء من عشرة وَللعامل ستة أجزاء، يُخْرَج من ذلك الجزءُ الواحد في الزكاة فيبقى له خمسة أجزاء من عشرة، وذلك النصف على ما ساقاه عليه، وقد قيل إنه لا يجوز لأحدهما أخذ أربعة أعشارها إن كان هو الذي اشترطت عليه الزكاة أن يشترط الزكاة على صاحبه، وهو الذي في أصل الأسدية من أجل أن الثمرة ربما لم تبلغ ما يجب فيه الزكاة، فيصير العامل لا يدري عَلىَ مَا يعمل؛ لأن الثمرة إن لم تبلغ ما يجب فيه الزكاة أخذ نصفها، وإن بلغت ما يجب فيه الزكاة أخذ أربعة أعشارها إن كان هو الذي اشتُرِطَتْ عليه الزكاة، فهذا بَيّنٌ في الغرر إن كان هو الذي اشترطت عليه الزكاة، وأما إن كان هو الذي اشترط الزكاة على رب الحائط فلا غرر فيه؛ لأنه يأخذ النصف على كل حال بلغت الثمرة ما يجب فيه الزكاة أو لم تبلغ، والغرر الذي في جهة رب الحائط من أجل أنه أخذ نصف الثمرة إن لم تبلغ ما تجب فيه الزكاة وأربعة أعشارِها إن بلغت ما تجب فيه الزكاة؛ لأن العشر الخامس يُخرجه في الزكاة على ما اشترطه عليه العامل لا معتبر به، وهذا إذا قلنا إن الجزء الذي اشترطه كل واحد منهما في الزكاة على صاحبه يرجع إلى الذي اشترطه عليه منهما إن لَمْ يبلغ الثمر ما يجب فيه الزكاة؛ لأنه يقول له ساقيتك على النصف واشترطت على الزكاة فإذا لم يكن في الحائط زكاة فلا شرط لك علي، رُد على الجزء الذي اشترطته من نصيبي لتخرجه في الزكاة، إذ لا يجب في الحائط زكاة، وأما على القول بأن الجزء المشترط في الزكاة إذا لم يكن في الحائط زكاة يكون لمشترطه فالغرر إنما يكون في المساقاة إذا اشترط الزكاة فيها العاملُ على رب المال لا إذا اشترطها رب المال على العامل، وعلى هذا قوله في هذه الرواية وإن كان لم يعلل قوله فيها إِلا بالإِتباع فقال: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} [آل عمران: 137]، وأما على القول بأنه بينهما بنصفين لأنهما يتداعيانه أو يلغى ويقتسمان الثمرة اتساعا فالغرر حاصل، كان العامل هو الذي اشترط الزكاة على رب الحائط أو رب الحائط على العامل؛ لأنه يأخذ أربعة أجزاء من عشرة إن بلغ الحائط ما تجب فيه الزكاة وكان رب الحائط هو الذي اشترط عليه الزكاة وأربعة أجزاء ونصف جزء من عشرة وأربعة أجزاء من تسعة إن لم يكن في الحائط زكاة، وخمسة أجزاء من عشرة إن بلغ الحائط ما تجب فيه الزكاة وكان العامل هو الذي اشترط الزكاة على رب الحائط وخمسة أجزاء ونصف جزء من عشرة أو خمسة أجزاء من تسعة إن لم يكن في الحائط زكاة، فهذا وجه ما في الأسديّةِ من أنه لا يجوز لأحدهما أن يشترط الزكاة على صاحبه، وروايةُ أشهب هذه عن مالك في أنه يجوز لرب الحائط أن يشترط الزكاة على العامل ولا يجوز للعامل أن يشترطها على رب الحائط حظها في النظر، والقياسُ هو ما ذكرناه من أن قوله فيها يأتي على قياس القول بأن الجزء المشترط في الزكاة يكون لمشترطه إذا لم يكن في الحائط ما تجب فيه الزكاة، وفي ذلك أيضا الإِتباع حسبما احتج به فيها من قوله: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} [آل عمران: 137]، والفرق بالعكس وجهه ما بيناه من أن الغرر لا يكون إذا كان العامل هو مشترط الزكاة على رب الحائط، وإنما يكون إذا كان رب الحائط هو مشترط الزكاة على العامل، وذلك على القول بأن الجزء المشترط في الزكاة إذا لم يكن في الحائط زكاة تكون للمشترط عليه ذلك الجزء في الزكاة لا لمشترط.
فيتحصل على هذا في المسألة أربعة أقوال أحدها جوازُ اشتراط الزكاة من كل واحد منهما على صاحبه، وهو الذي في المدونة، والثاني لا يجوز ذلك من واحد منهما على صاحبه وهو الذي في أصل الأسدية، والثالث رواية أشهب هذه أنه يجوز ذلك لرب الحائط على العامل ولا يجوز للعامل على رب الحائط، وهو الذي يتخرج على ما بيناه من سقوط الغرر في اشتراط العامل الزكاة على رب الحائط على القول بأن الحائط إذا لم يبلغ ما تجب فيه الزكاة يرجع الجزء المشترط في الزكاة على من اشترطه عليه منهما، والقولُ الذي في المدونة أظهر إن كان الحائط كثيرا يعلم أنه يجب في ثمرة الزكاة إلّا أن يخلف عمل جرت به العادة في الغالب أو يأتي عليه جائحة، والذي في أصل الأسدية أظهر إن كان الحائط صغيرا يشبه أن تجب فيه الزكاة وألا تجب من غير جائحة تصيبه، ولا اختلاف عما جرت به العادة في الحمل ويحتمل أن يحمل ما في المدونة على الحائط الكبير الذي يُؤمَنُ أن يقصر ثمرة عما تجب فيه الزكاة إِلا بما يطرأ عليه من الجوائح؛ لأن الطوارئ النادرة لا يعتبر بها في إحالة الأحكام عن وجوهها، وما في أصل الأسدية على الحائط الصغير الذي يشبه أن تجب فيه الزكاة وألا تجب فلا يكون ذلك اختلافا من القول وبالله التوفيق.

.مسألة ما كان يباع من الفول أخضر والجلبان وما كان من صنف هذه فأصابته جائحة:

ومن سماع سحنون بن سعيد قال: وقال ابن القاسم الفجل والِإسفنارية والورد والياسمين والعصفر وقلب السكر عندي في الجوائح سواء لا يوضع قليل ذلك ولا كثيره حتى يبلغ الثلث، والمساقاة فيه جائزة، وكلُّ ما جاز فيه المساقاة فالجوائح توضع في ثلث ذلك، ولا توضع في أدنى من ذلك إلا الموزَ فإنه لا توضع فيه المساقاة ولا توضع فيه الجائحة حتى تبلغ الثلث، وأما الزعفران والبقل والريحان والقرط والقصب والكسبر فإن الجوائح في قليله وفي كثيره، ولا تصلح المساقاة، وأما الكمون فإنه تجب فيه المساقاة بمنزلة الزرع، وإنما يراد منه حبه ولا يراد منه شجره، وأما الموز والمقاتي والباذنجان، فهذه ثمار وكل ما كان من الثمار من الفاكهة وغيرها فذلك لا جائحة فيه حتى يصيب الثلث.
وما كان يباع من الفول أخضر والجلبان وما كان من صنف هذه فأصابته جائحة فلا يوضع حتى تبلغ الثلث لأنه يرجع إلى أصله وهو ثمرة، وهذه الأشياء لا تجوز فيها المساقاة إلّا أن يخاف صاحبها العجز.
قال محمد بن رشد: هذا الأصل الذي أَصّلَه ابن القاسم في رواية سحنون هذه عنه على مذهبه فيما عدى الأصول من أن ما جازت فيه المساقاة من ذلك لم توضع الجائحة فيه إلّاَ أن تبلغ الثلث فصاعدا، وما لم تجز فيه المساقاة من ذلك وضعف الجائحة في قليله وفي كثيره إلا الموز فإنه لا تجوز فيه المساقاهَ ولا توضع الجائحة فيه إِلَّا أن تبلغ الثلث فصاعدا وجههُ أن المساقاة لا تجوز فيما يحل بيعه لأنها إنما أجيزت للضرورة فيما لا يحل بيعه إن لم يقدر على الاستيجار عليه باعه وانتفع بثمنه، وما لا يحل بيعه لم يقدر على الاستيجار عليه هلك وضاع، وقد «نهى رَسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن إضاعة المال» لأنه سبب للحياة وَعَونٌ على الطاعة، وأن البقول إنما وضعت فيها الجوائح لا القليل والكثير لأن المشتري لها لم يدخل مع البائع على تلف شيء منها إذ ليست بثمرة توكل خضراء وهو يقدر على جذها حين ابتياعه لها، إذ لا يجوز ابتياعها إِلا بعد أن ينتفع بها ويُمكِن جَذَاذُها، بخلاف الثمار التي لا يقدر على جذها حين اشتراها حتى يتناهى طيبها فقد دخل مع البائع على أنه لابد أن يسقط منها وأكل الطير منها والعامة من الناس وغيرهم، فاستقام على هذا الأصل الذي أصله فيما عدى الأصول وَخَرَجَ الموز عن ذلك لأنه لما كان مما يجوز بيعه، ما يأتي من بطونه لأمَد معلوم من أجل أن ذلك فيه معروفٌ لم تَجُزْ فيه المساقاة، ولما كان ثمره توكل خضرا علم أنه لابد أن يذهب شيء منها قبل أن تجد لما لربها من عامية الناس وغيرهم؛ لأن المشتري قد دخل على ذلك مع البائع فوجب أَلَّا توضع الجائحة فيه إِلا أن تبلغ الثلث فصاعدا.
ووجه قوله إن المساقاة لا تجوز في هذه الأشياء إلا أن يخاف صاحبها العجزَ هو أن المساقاة إنما جوزت مع ما فيها من الغرر وبيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه وقبل أن يخلف أيضا للسنة الواردة عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ في مساقاة النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ يهود خيبر في نخلها على شطر ما يخرج منها، فجازت المساقاة في الأصول وإن لم يعجز صاحبها عن عملها إتباعا للسنة في موضعها، ولم يَقْوَ عنده ما عدى الأصول من الأشياء التي يجوز بيعها ويحتاج إلى الاستيجار عليها قُوَتَهَا في القياس عليها فلم تجز المساقاة فيها إلّا مع العجز عن عملها قياسا على الأصول، وهو قولُ ابن نافع في كتاب ابن سحنون.
وقيل إن المساقاة لا تجوز في شيء من ذلك أصلا لأن المساقاة في الأصول رخصة فلا يقاس عليها.
وقال ابن المواز أكره المساقاة عليها مع العجز عن عملها، وكان أبو عمر ابن القطان يقول المساقاة جائزة على ما في المدونة في الياسمين والورد والقطن عَجَزَ عنه صاحبه أو لم يعجز، خلاف المقاثي والزرع، وهو بعيد إذ لا فرق في حقيقة القياس بين القطن والزرع والمقاثي وقصب السكر في جواز المساقاة فيها من غير عجز؛ لأن أصولها غير ثابتة بخلاف الياسمين والورد الذي أصولها ثابتة فلا ينبغي أن يختلف في أن المساقاة في الياسمين والورد جائزة على مذهب مالك وإن لم يعجز صاحبها عن عملها، ولو قال قائل أن المساقاة في المقاثي والقطن وما كان في معناها جائزة وإن لم يعجز صاحبها عن عملها بخلاف الزرع وقصب السكر وما كان في معناهما لكان له وجه؛ لأن هذه ثمار تجنى من أصولها فأشبهت ثمار الأصول الثابتة، والزرعُ وقصب السكر وما أشبهها لا تجنى من أصولها إِلا بقطع الأصول، ففارقت ثمر الأصول في المساقاة في الزرع على مذهب ابن القاسم لا تجوز إِلا بثلاثة شروط أحدهما أن يعجز صاحبها عن عمله، والثاني أن ينبت وقبل أن يستقل بعد نباته، والثالث ألا يبلغ مبلغا يحل بيعه. وكذلك قصب السكر بهذه المنزلة تجوز مساقاته بعد أن ينبت قبل أن يحل بيعه إذا عجز عن عمله، واختلف إن كان له خلفة هل يجوز أن يشترطها في المساقاة، والاختلاف في هذا جار على الاختلاف في جواز اشتراطها في البيع.
وكذلك البقل تجوز فيه المساقاة إذا نبت وعجز صاحبه عن عمله قبل أن يحل بيعه، قال ذلك عبد الرحمن بن دينار في المدنية، وقال ابن القاسم فيها لا تجوز المساقاة في البقل وكل شيء يجد ثم يخلف مثل البقل، ولو كان ذلك مثل الزرع الذي لا يكون في السنة إلا مرة واحدة لم يكن به بأس، وظاهر قول ابن دينار أن المساقاة في البقل قبل أن يحل بيعه إذا عجز عن عمله جائزة، وإن اشترط خَلَفَه، وظاهر قول ابن القاسم أن ذلك جائز إذا لم يشترط الخلفة فحصل الاختلاف بينهما في جواز اشتراط الخلفة في المساقاة وذلك على الاختلاف في جواز اشتراطها في البيع، ويحتمل أن يقال أن الاختلاف أيضا في مساقاة البقل، وإن لم يشترط خلفته ويكون ذلك جاريا على الاختلاف الذي ذكرناه في الزرع هل تجوز فيه المساقاة إذا نبت قبل أن يستقل أو لا يجوز وإن نبت حتى يستقل؛ لأن البقل إذا استقل فقد حل بيعه، وما حل بيعه فلا يجوز مساقاته، وقوله في الفجل أو الِإسفنارية إِن المساقاة فيهما جائزة معناه قبل أن يحل بيعهما، إذ لا تجوز المساقاة فيما يحل بيعه.
وأما قوله إن الجائحة لا توضع في قليل ذلك حتى يبلغ الثلث فبعيد، وما في المدونة من أن الجائحة توضع في قليل ذلك وكثيره أصح؛ لأن بيعه لا يحل حتى يبلغ مبلغ القلع، فَلَهُ حكمُ البقول في وضع الجائحة فيه، قيل إنه يوضع القليل والكثير، وقيل: إنه لا يوضع القليل ولا الكثير، وقيل إنه لا يوضع إلا الكثير الثلث فصاعدا وبالله التوفيق.

.مسألة مساقاة النخل بعد أن يبدو صلاحها:

قال: وقال سحنون: لا بأس بمساقاة النخل بعد أن يبدو صلاحها.
قال محمد بن رشد: قولُ سحنون هذا خلافُ مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة؛ لأنه نص فيها على أن ذلك لا يجوز لأن فيه منفعة لرب الحائط، والمنفعة التي له في ذلك سقوطُ الجائحة عنه؛ لأن الثمرة إذا أجيحت في المساقاة لم يكن له قيام بالجائحة وكان بالخيار بين أن يتمادى على مساقاته أو يخرج عنها، بخلاف الِإجارة التي له أن يرجع فيها إذا أجيحت الثمرة بإجارة مثله فيما عمل، وإنما أجاز ذلك سحنون لأنه رآها إجارة أخطأ في تسميتها مساقاة، فأجازها على حكم الِإجارة من وجوب الرجوع بحكم الجائحة فيها، ولم يجزها ابن القاسم لأنه راعى تسميتها إياها مساقاة إذ حكم المساقاة لا يرجع فيها بالجائحة فرآها إجارة فاسدة يجب فسخها مَا لَمْ تَفُتْ بالعمل، فإن فاتت به كان للعامل أجرة مثله على حكم الإجارة تنعقد بلفظ المساقاة، ولم يحملها ابنُ القاسم على الإجارة إذْ رآها لا تنعقد بلفظ المساقاة، وكذلك على مذهبه لا تنعقد المساقاة بلفظ الإجارة لو قال له أو أجِرُكَ على سقي حائطي هذا بنصف ثمرته إذا طابت لم يجز، ويأتي على مذهب سحنون أن ذلك يجوز، وتكون مساقاة وينبغي على قول سحنون أَلا يجوز ذلك في الزرع لأنه كمن قال أحصده وهذبه ولك نصفه، وهذا لا يجوز عنده، وقول ابن القاسم أظهرُ لأن الإجارة والمساقاة عقدان مفترقا الأحكام، فلا ينعقد أحدهما بلفظ الآخر وبالله التوفيق.

.مسألة على العامل كراء البياض:

قال: وأخبرني ابن أشرس عن مالك في الرجل يساقي الرجل الحائط وله بياض تَبَعٌ للنخل فيستثنيه العامل فيصيب النَخْلَ جائحة فيذهب ثمرها وقد زرع العاملُ البياضَ، قال مالك: يكون على العامل كراء البياض، قال سحنون وهي جيدة، والحجة في ذلك إذا لم يعط البياض إِلِّا على السواد، فلما ذهب السواد رجع عليه بكراء البياض.
قال محمد بن رشد: قد بين سحنون رواية ابن أَشْرَس وَوَجْهَهَا واحتج لها بما لا مزيد عليه لمن وقف على معنى ما ذهب إليه، وله في كتاب ابنه أن مالكا قال وكذلك لو عجز الرجل عن الأصل كان عليه البياض بكراء مثله، ورواه علي بنُ زياد عنه، فمعنى ما ذهب إليه سحنون أن العامل لما أجيحت الثمرة أبى أن يتمادى على عمل الحائط إلى آخر ما يلزمه من سقاية ولذلك كان لصاحب الحائط أن يرجع عليه بكراء أرضه، ولو تمادى على عمل الحائط إلى آخر ما يلزمه منه لما كان عليه في البياض، كذا يتبين تشبيه مالك لذلك بعجز العامل عن العمل، وبالله التوفيق.

.مسألة لرجل أصل من نخل أو كرم أو غيره من الأصول وفيها الشيء من البياض:

قال محمد بن إبراهيم المدني وعبد الله بن نافع إذا كان لرجل أصل من نخل أو كرم أو غيره من الأصول وفيها الشيء من البياض هو تبع للنخل وكان البياض فيها الشيء من النخل هي تبع للبياض فقال للذي يساقيه النخل أو يستكري منه البياض أساقيك النخل وحدها أو أكريك الأرض وحدها وأحبس نخلي أو بياضي ولك من الماء قدرُ ما تروي به نخلك في السقاء وتروي به زرعك في حين تسقي الزرع ولي فضل مائي نسقي به نخلي أو ما صنعتُ في بياضي ليس عليك فيه سقاء كان ذلك حسنا جائزا، وإنما يكره من ذلك أن يجمع النخل إلى البياض أو البياض إلى النخل فيشترط ذلك المساقي خاصة ويكون على المساقي سقيه فتكون زيادة يزدادها عليه، فإذا لم يكن كذا فلا بأس به.
قالا وكذلك إذا اشترط الرجل على صاحب الأرض أن البدر عليك كانت زيادة ازدادها فلا يصلح.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة حسنة جيدة صحيحة على مذهب مالك؛ لأنه قال في موطئه في المساقي يشترط البياضَ إنه لا يصلح؛ لأن الداخل يسقيه لرب الأرض فذلك زيادة ازدادها عليه رب الأرض فهذا يدل من قوله أنه إذا لم يسق المساقَى ما اشترط عليه المساقِي من الأرض فهو جائز.
وأما إذا أكرى الرجلُ أرضه وفيها ثمرات يسيرة أو كثيرة فأبقاها لنفسه لم يُدخلها في كرائه فذلك جائز وإن اشترط على المُكترى سقيها؛ لأن ذلك كله معلوم فلا غرر فيه.
ولم يتكلم على الحكم إذا اشترط رب الحائط الأرض على أن يسقيها المساقي، والذي يأتي في ذلك على الأصل الذي قد ذكرته في أول رسم من سماع ابن القاسم وفي رسم كتب عليه ذكر حق منه وما ذهب إليه ابن حبيب أن يُرَد في ذلك إلى مساقاة مثله في الحائط، ويكون له أجرة مثله في سقيه الأرض لرب الحائط.
وكذلك لم يتكلم إذا اشترط البذر على صاحب الحائط يريد على أن يكون الزرع بينهما، والحكم في ذلك على ما تقدم أن الزرع لرب الحائط الذي له البذر وعليه للعامل أجرة مثله في عمله وسقيه، ويرد في النخل إلى مساقاة مثله قاله ابن حبيب في الواضحة والله الموفق.

.مسألة المساقاة الفاسدة للسنين إذا عمل بعضها:

من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم من كتاب سلف دينارا قال عيسى سألت ابن القاسم عن حائط ساقاه صاحبه سنة على النصف وسنة على الثلث، قال: لا يحل هذا، قيل له فإن كان قد عمل سنة وحانت الثمرة قال يُرد إلى مساقاة مثله، ويكون له أن يعمل السنة الثانية.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، ومثله في المدونة أن المساقاة الفاسدة للسنين إذا عمل بعضها فهو فوت في جميعها، ورده في هذه المسألة إلى مساقاة مثله صحيح على الأصل الذي ذكرناه في أول رسم من، سماع ابن القاسم وفي رسم كتب عليه ذكر حق منه.

.مسألة حائط ساقاه صاحبه رجلا على أن يكفيه مؤنة حائط له آخر:

قيل له فحائط ساقاه صاحبُه رَجُلا على أن يكفيه مؤنة حائط له آخر؟ فقال: هذا حرام، قيل له: فقد وقع، قال: يعطىِ في الذي اشترط عليه كِفَاية أجرة مثله، ويرد إلى مساقاة مثله في الحائط الآخر.
قيل له فإن قارضه بمائة دينار على أن يُبلغَ له مائة دينار أخرى إلى موضع كذا وكذا؟ فقال: له فيهما جميعا إجارة مثله يريد إذا فات، ولم يره مثل مسألة المساقاة التي فوقها.
قيل له فإن جاء بربح فأراد صاحب المال أن يسوغه إياه ويتركه له فقال صاحب المال إن الذي يترك من الربح أكثر من إجارة مثله وعلم الآخر كم هو؟ فلا بأس به إن علما به جميعا وأما أن يتخاطرا فلا خير فيه.
قال محمد بن رشد: مثلَ هذا حكى ابنُ حبيب في الواضحة أنه يعطي أجرة مثله في الحائط الذي اشترط عليه كفاية مؤنته وُيرد في الآخر إلى مساقاة مثله، وهو على الأصل الذي ذكرناه في أول سماع ابن القاسم في كتاب ابن المواز عن ابن القاسم أنه يرد فيهما جميعا إلى إجارة مثله وهو الأظهر، وأما الذي قارضه بمائة على أن يبلغ له مائة إلى موضع كذا فلا اختلاف أحفظه فيِ أنه يرد إلى إجارة مثله في جميع ذلك، وكذلك لو قارضه بمائتين على أن يكون ربح المائة الواحدة لرب المال وربح المائة الثانية بينهما على أن يعمل بكل مائة على حدة، لَرُدَّ فيهما جميعا إلى إجارة مثله قولا واحدا، والقراض في هذا خلاف المساقاة، وأما قوله إنه لا يجوز أن يسلم له ربح المال فيما وجب له من إجارة مثله حتى يعلم أن كان أقل من ذلك أو أكثر، فهو بين لا إشكال فيه لما في ذلك من المخاطرة والغرر إذا جهل قدر ذلك وبالله التوفيق.

.مسألة يستثني الداخل في الحائط ما كان فيه من بقرأو غلمان أو دواب:

ومن كتاب إن خرجت من هذه الدار:
قال: وقال ابن القاسم: لا بأس أن يستثني الداخل في الحائط ما كان فيه من بقر أو غلمان أو دواب، وليس له أن يستثنى على رب الحائط إِلَّا ما وجد فيه من ذلك، وعلى رب الحائط أن يخلف كل ما مات من عبد أو شيء أو ثور مما استثنى الداخل في الحائط مما وجد فيه.
قلت فإن جهل الداخل في الحائط أن يستثني ما فيه من الدواب والرقيق وظن أن ذلك له استثناهم أو لم يستثنهم، فلما تعاقدَا المساقاةَ قال له رب الحائط: إنما ساقيتك الحائط وحده بلا دواب ولا رقيق؟ قال يتحالفان ويتفاسخان.
قال محمد بن رشد: قولُه لا بأس أن يستثني الداخل في الحائط ما كان فيه من بقر أو غلمان أو دواب يدل على أنهم لا يكونون له إِلَّا أن يستثنيهم خلافُ ما في المدونة من أن الحكم يُوجِبُهم له وإن لم يستثنيهم إذ لا يجوز لرب الحائط أن يستثنيهم ولا يخلو الأمرُ على هذه الرواية من أن يتفقا أو يختلفا، فإن اتفقا على أن أحدهم استثناهم جاز ما اتفقا عليه من ذلك، وإن اتفقا على أنه لم يستثنهم واحد منهما ولا كانت له نية بَقُوا لرب الحائط، وإن اتَفقا على أنه لم يستثنهم واحد منهما إلا أنهما اختلفا فيما نوياه فقال العامل: كانت نيتي أن يكونوا لي وهو الذي ظننت وعليه ساقيت بما ساقيت به، وقال رب الحائط: كانت نيتي على أن يكونوا لي ولا يدخلوا في المساقاة تحالفا وتفاسخا كما قال في الرواية.
وكذلك لو اختلفا فقال العامل: استثنيتُهُم، وقال رب الحائط: بل استثنيتُهُم أنا تحالفا وتفاسخا على هذه الرواية، وكذلك لو ادعى أحدُهما أنه استثناهم وكذبه الآخر فيما ادعاه من أنه استثناهم ولم يدع هو أنه استثناهم إلا أنه قال: كانت تلك نيتي وعلى ذلك ساقيت لتحالفا وتفاسخا أيضَا، ولو اختلفا على مذهبه في المدونة فادعى كل واحد منهما أنه استثناهم لوجب أن يكون القول قول العامل لأنه مدعى الصحة منهما، وذلك على القول بمراعاة دعوى الإشباه مع القيام؛
لأنه إنما كان القول قول مدعي الصحة من أجل أنه أشبه بالدعوى خلافُ ما في سماع أبي زيد من كتاب المغارسة، وقد مضى هنالك من الكلام على تلك المسألة ما فيه بيان لهذه وبالله التوفيق.

.مسألة منتهى المساقي في الزيتون:

قال: وسألته عن الرجل يساقي الرجل الزيتون على أن يعصره، قال: لا بأس بذلك وعلى ساقي النخل جَذاذه وعلى ساقي الزرع حصاده ودرسه، قيل لسحنون: ما منتهى المساقَي في الزيتون؟ قال: جناه، قيل له فالثمر؟ قال: جَذَاذه، قال: بعد ما طاب وحل بيعه أو بعد ما يثمر؟ قال: ذلك بعد الِإثمار، قيل له فالتين والكرم؟ قال على المساقي القطاف والتيبيس هو أجل مساقاته ليس يتعوضَ عنه المساقاة وعلاجها بالجني حتى يتزبب ذلك وييبسه.

.مسألة ومعنى ذلك إنما كان التيبس غالبا على أهل البلد لأنه إذا لم يكن غالبَا على أهل البلد لم يلزمه إلا أن يشترط عليه إذ هو يلزمه ما هو يفتقر إلى عمله بإمكان القسمة قبله والمراعي في ذلك بالعرف في البلد إن لم يكن في المساقاة عرف وإما لأنه عرف فإياه يعتبر وإن خالف ذلك عرف البلد:.

وقال ابن القاسم في مساقاة الزيتون إِنّ عليه عصره إنْ كان عصره غالبا على أهل ذلك البلد.
قال محمد بن رشد: قوله إنه لا بأس بمساقاة الزيتون على أن يعصره المساقَى دليل على أنه إذا لم يكن شرطا لم يلزم المساقَى العصر واقتسما الزيتون حبا، ومثله في كتاب ابن المواز أن عصر الزيتون في المساقاة على شرطهما، فإن لم يكن شرط فهو بينهما مثل قول سحنون إن منتهى المساقاة في الزيتون جناه، ومعنى ذلك إذا لم يكن العرف في البلد العصر، وأما إِنْ كان العرف بالبلد في الزيتون العصر فيلزم المساقي العصر إلا أن يشترط أَلا يلزمه ذلك يبين ذلك من مذهب ابن القاسم قوله أولا قوله في المسألة الأخرى ويبينه من مذهب سحنون قوله في التين والكرم إِنّ على المساقي القطاف والتيبيس وإنّ العلاج ينقضي عنه بالجني حتى يتزبب ذلك وييبسه لأن معنى ذلك إنما هو إذا كان التيبيس غالبا على أهل البلد؛ لأنه إذا لم يكن غالبا على أهل البلد لم يلزمه إلا أن يشترطه عليه إذ لا يلزمه ما لا يفتقر إلى عمله بإمكان القسمة قبله والمراعي في ذلك العرف في البلد إذا لم يكن في المساقاة عرف وأما إِن عرف فإياه يعتبر وإن خالف ذلك عرف البلد وبالله التوفيق.

.مسألة الكراء والبيع جائز أن يجمع بينهما في صفقة واحدة:

ومن كتاب جاع:
وقال لرجل سأله عن أرض اكتراها بخمسين دينارا، وفيها شجرتين غلة بعد إخراج النفقة مثل كراء الأرض هل يحل ذلك؟ قال لا بأس به لأن بيعه وحده حلال، والكراء بيع من البيوع فلا بأس به.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله لأن الكراء والبيع جائز أن يُجْمَع بينهما في صفقة واحدة وبالله التوفيق.

.مسألة يساقي الرجل الحائطين مساقاة واحدة:

ومن كتاب إن أمكنتني:
قال: وقال ابن القاسم: لا بأس أن يُسَاقِيَ الرجلُ الحائطين مساقاة واحدة على النصف أو على الثلث إذا كانا مستويين فإن لم يستو، فلا خير فيه إذا كان لا يأخذ أحدَهما إلا لمكان الآخر.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة والقول فيها في أول سماع أشهب فلا معنى لإِعادته وبالله التوفيق.

.مسألة باع منه نصف ثمر حائطه أو ثلثه فأصيب من الحائط أقل من الثلث بجائحة:

من سماع أصبغ من ابن القاسم من كتاب البيوع قال أصبغ سمعت ابن القاسم يقول إذا باع رجل من رجل نصف ثمر حائطه أو ثلثه فأصيب من الحائط أقل من الثلث بِجَائِحَةٍ كانت المصيبة بينهما على قدر ما لهما فيه ولم يوضع عنه من الثمر شيء، وإن أصيب ثلثه أو نصفه وضع عنه نصف الثمن أو ثلثه، قال: ولا يُوضع عنه من الثمن شيء حتى يكون الذي بلغت الجائحة ثلثَ جميع الثمرة فيكون ثلث ما اشترى المشتري وهو شريك له في المصيبة فيما قل أو كثر.
قال: وقال مالك: وأن تباع نصف سبرته أو ثلثها أو جزء منها فأصابها سَيْلٌ أو شيء ذهب بها أو بعضها فإنهما يَتَحَاصان على قدر حظوظهما فيها، والمصيبةُ منهما جميعا على الحظوظ، وليس في هذا جائحة قال أصبغ: وقولُ مالك في الثمار أخبرنيه ابنُ وهب وابن القاسم عن مالك.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة صحيحة لا إشكال فيها ولا لبس في شيء من معانيها فلا معنى للقول فيها وبالله التوفيق.